شارلى شابلن… وفن التعامل مع الازمات
بقلم: تامر الجندي
في أحد أشهر مشاهده على المسرح، روى شارلي شابلن نكتة فضحك الجمهور بحرارة. أعاد النكتة، فضحك عدد أقل. كررها للمرة الثالثة، فعمّ الصمت. عندها ابتسم قائلًا : “إذا لم تستطع أن تضحك على نفس النكتة مرارًا، فلماذا تبكي على نفس المصيبة مرارًا؟”.
ربما لم يكن شابلن يقصد أن يقدّم لنا درسًا في التنمية الذاتية أو إدارة الأزمات، لكنه فعل ذلك ببراعة تفوق الكثير من الكتب والمحاضرات فكلمات قليلة، صنعت فلسفة كاملة عن الحياة والعمل.
الحقيقة أننا لا نعيش الأزمة مرة واحدة، بل نعيشها مرات ومرات حين نصر على استرجاعها في عقولنا ونتذكر الموقف الصعب بنفس مشاعر الظلم، ونعيد الألم كأنه يحدث الآن، رغم أن الحدث نفسه قد انتهى من زمان.
وهنا يدخل مفهوم إعادة التجربة المعرفية (Cognitive Rehearsal) الذي يفسر كيف يعيد العقل لعب المشاهد السلبية وكأنها حدثت للتو، مما يزيد من الضغط النفسي ويُعطل قدرتنا على التعافي.
تكرار الألم الذهني هذا لا يرهقنا نفسيًا فقط، بل يضعف أداءنا المهني، ويحول دون تحقيق ما يعرف بـالتعافي بعد الأزمات (Post-Crisis Recovery) وهي مهارة أساسية في علم الإدارة تقيم من خلالها قدرة القادة والمؤسسات على تجاوز الصعوبات وبناء مسار نمو جديد.
كلنا مررنا بتجارب صعبة في العمل: مدير لم يقدر مجهودنا، زميل خذل ثقتنا، فرصة ضاعت رغم تعبنا، أو قرار اضطررنا لاتخاذه ومغادرة مكان نحبه. المشكلة ليست في الحدث نفسه، بل في استمرار التعلق النفسي به، واحتجاز أنفسنا في دائرة الألم.
في علم الإدارة الحديث، تستخدم آليات مثل الممارسة التأملية (Reflective Practice) لمراجعة التجارب الصعبة وتحليلها بموضوعية، بهدف التعلم المستمر وتحسين الأداء. هذه الأدوات تساعد القائد على تحويل الفشل إلى فرصة، بدلاً من أن يبقى عبئًا يثقل كاهله وكاهل فريقه.
كما أن هناك نظرية تسمى النمو بعد الصدمة (Post-Traumatic Growth) ، التي تؤكد أن بعض الأفراد والمؤسسات يمكنهم الخروج من الأزمات أقوى وأكثر حكمة، وذلك عبر تبني منظور إيجابي يسمح بتحويل الألم إلى دافع للتطور والابتكار.
وهنا تتجلى أهمية نوع من القيادة يُعرف بـالقيادة المرتكزة على التعافي (Recovery-Oriented Leadership) ، التي تركز على دعم الفريق نفسيًا ومهنيًا بعد الأزمات، وتحفيزهم على إعادة البناء بدلاً من الانهيار تحت وطأة الضغوط.
وهذا يقودنا إلى الحكمة التي قالها شابلن : إذا لم تستطع أن تضحك على نفس النكتة مرتين، لماذا تعيش نفس الأزمة ألف مرة في ذهنك؟.
الاحتراف الحقيقي لا يقاس بعدد النجاحات فقط، بل بمدى قدرتك على التعافي، التعلم، والمضي قدمًا.
فمتى تتوقف عن إعادة تشغيل مشهد الخسارة… وتبدأ كتابة مشهد العودة؟

