لا تحكم من النافذة: دروس من القطار لحياتنا العملية

لا تحكم من النافذة: دروس من القطار لحياتنا العملية
تامر الجندي

بقلم: تامر الجندي

في إحدى الرحلات على متن قطار، صاح شاب في العشرين من عمره بحماس طفولي:
“أبي، انظر إلى الأشجار! إنها تسير إلى الوراء!”

نظر الركاب حولهم بدهشة، فتصرف الشاب لا يتماشى مع عمره. وما هي إلا لحظات حتى تابع قائلاً:
“أبي، الغيوم تلاحقنا!”

اقترب أحد الركاب منزعجاً من الأب وهمس بنبرة استغراب:

“ابنك في العشرين، ولا يعقل أن يتصرف هكذا… لماذا لا تعرضه على طبيب جيد؟”

ابتسم الأب وأجاب بهدوء:

“لقد فعلت. في الواقع نحن عائدان الآن من المستشفى، لقد فقد ابني البصر منذ أن كان طفلًا، واليوم فقط استعاد قدرته على الرؤية”.

 

الدرس خلف هذا المشهد البسيط لا يتعلق بالشاب وحده، بل في الطريقة التي نحكم بها على الآخرين دون معرفة القصة الكاملة.

 

والأخطر من ذلك حين نسمح لأحكامنا السطحية أن تتحوّل إلى قرارات حاسمة، خاصة في بيئة العمل، حيث يترتب على كل قرار إداري أثرٌ مباشر على الأداء، والروح المعنوية، وحتى على ثقافة المؤسسة ككل.

 

في عالم الإدارة، يُعرف هذا النوع من التحيز بـ الانحياز المعرفي (Cognitive Bias)، وهو أحد أبرز التحديات التي تواجه القادة.

 

حينما نحكم على أحد الموظفين بناءً على موقف عابر أو انطباع أولي، فإننا نقع تحت تأثير ما يُعرف بـ “خطأ الإسناد الأساسي” (Fundamental Attribution Error)، حيث ننسب السلوك إلى صفات الشخص بدلاً من الظروف المحيطة به.

 

قد يحكم المدير على أحد أعضاء الفريق بأنه “غير مبادر” لأنه لا يتحدث كثيرًا في الاجتماعات، متجاهلاً احتمالية أن هذا الموظف قد يكون مفكرًا تحليليًا يعمل بصمت ويُفضّل التخطيط على الكلام.

 

وفي حالات أخرى، قد يتم وصف موظف بأنه “ضعيف الأداء” لأنه تأخر في إنجاز مهمة، دون الأخذ في الاعتبار أن هناك نقصًا في الموارد أو غموضًا في التوجيه.

 

هذه الأحكام لا تبقى مجرد انطباعات، بل تتحول إلى قرارات فعلية في التقييم، الترقية، أو حتى الاستبعاد.

وهنا تكمن الخطورة، إذ تدخل المؤسسة في دائرة “التحامل المؤسسي” (Organizational Bias)، الذي يؤدي إلى استنزاف الكفاءات وإضعاف الروح الجماعية.

 

الإدارة الواعية لا تُبنى على التصورات، بل على الفهم.

المدير الكفء هو من يمتلك ما يُعرف بـ الذكاء العاطفي (Emotional Intelligence)، والذي يتضمن القدرة على إدراك وفهم دوافع الموظفين، مما يُمكّنه من التعامل مع كل فرد حسب ظروفه وسياقه، لا حسب ما يبدو على السطح.

 

هذا النوع من الذكاء هو ما يصنع الفارق بين القيادة السلطوية والقيادة التحويلية، تلك التي ترتكز على الإلهام والتمكين لا على التوجيه الصارم فقط.

 

كذلك، من المهم أن يطوّر القائد مهارات التفكير النقدي (Critical Thinking)، وهي المهارة التي تُمكّنه من تأخير الحكم، وطرح الأسئلة الصحيحة، والتمييز بين المعلومات والافتراضات.

فبدلاً من أن يسأل: “ما خطب هذا الموظف؟”، يمكنه أن يسأل: “ما الذي لم أفهمه بعد عن هذا السلوك؟”.

 

في الختام، تذكّر أن الشاب في القطار لم يكن غريب الأطوار، بل كان يُبصر العالم لأول مرة.

وبنفس المعنى، ربما يكون الموظف الذي تظنه “لا يفهم” هو فقط من لم يُمنح بعد فرصة حقيقية للفهم أو التعبير.

 

وفي المرة القادمة التي تهمّ فيها بإصدار حكم مهني على أحد أعضاء فريقك، تروّ قليلاً… اسأل، استمع، وافهم.

فالقائد الحقيقي لا يرى من نافذته فقط، بل يسأل:

” ماذا ترى أنت من موقعك؟”

بوابة مصر الحدث الالكترونية