هل الأسود أليفة والطيور مفترسة؟ حين يخدعنا منظورنا في بيئة العمل”
بقلم: تامر الجندى
“الأسود والفهود حيوانات لطيفة جدًا، بينما الطيور من أخطر الحيوانات.”
قد تبدو هذه الجملة غريبة الأطوار، لكنها تحمل عمقًا فلسفيًا مذهلًا. إنها إحدى طرائف برتراند راسل ، الفيلسوف البارز في القرن العشرين، الذي استطاع بأسلوبه الساخر أن يختصر نسبية الإدراك في جملة قصيرة على لسان دودة صغيرة.
هذه المقولة ليست مجرد طرفة، بل مرآة لما نعيشه يوميًا في بيئات العمل: الاختلاف في نظرتنا للآخرين بناءً على منظورنا الخاص، لا على حقيقتهم الفعلية.
ومن هنا نبدأ رحلة داخل عالم الإدارة وفهم البشر؛ حيث لا شيء يبدو كما هو، بل كما نراه نحن. ففي كل مؤسسة، تتعدد الشخصيات وتتنوع الزوايا التي يُنظر بها إلى كل موقف ولكل زميل. فالموظف الذي يبدو للبعض “أسدًا” يمتلك شجاعة وقوة، قد يراه آخرون مندفعًا أو غير دقيق. وعلى العكس، الموظف الهادئ الذي يعمل في صمت قد يُساء فهمه على أنه غير طموح، بينما هو في الحقيقة ذو نظرة استراتيجية وتحليلية ثاقبة.
هذه الاختلافات ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج البيئة التي نشأ فيها كل فرد، والعادات التي ترسخت لديه، وحتى الدور الذي يشغله داخل الفريق. من اعتاد التعبير المباشر قد يبدو أكثر حماسة، ومن تعلّم التروي قد يُظن أنه سلبي أو متردد.
كثيرًا ما لمست كيف أن الانطباعات الأولى خاصة لدى المدراء تُبنى أحيانًا على الصوت الأعلى أو الحضور الأقوى، بينما تُغفل الشخصيات التي تملك قيمة حقيقية لكنها لا تُجيد التسويق لنفسها. هذا الخلل في التقييم لا يؤثر فقط على عدالة الفرص، بل على جودة النتائج التي يسعى لها الفريق.
وتشير دراسة لشركة McKinsey عام 2020 إلى أن الفرق التي تحتضن التنوع الفكري تحقق أداءً أعلى بنسبة 35% مقارنة بتلك التي تعتمد نمطًا واحدًا من التفكير . هذه النتيجة تفتح أعيننا على أهمية إفساح المجال للأصوات المختلفة، لا فقط لمن يشبهوننا.
إن التحدي الحقيقي في بيئات العمل ليس في التوفيق بين الشخصيات، بل في خلق ثقافة تُقدّر هذا التباين وتستفيد منه. والإدارة الواعية هي التي ترى ما وراء المظهر، وتُدرك أن القوة قد تكون في الصمت، وأن التحفيز لا يتطلب بالضرورة ضجيجًا.
من هنا، تبرز مسؤولية المدير في أن يكون راصدًا ومُوجّهًا للطاقات، لا حاكمًا بناءً على نمط واحد. كما يتحمل الموظف أيضًا مسؤولية أن يفتح عينيه على الاختلاف، ويتعلم من زملائه بدلًا من تصنيفهم وفقًا لقوالب جاهزة.
وفي النهاية …….
تذكر منظورك ليس الحقيقة المطلقة ، والاهم طرحة الان
هل يمكن أن تكون أحكامك السطحية سببًا في فقدانك لكفاءات غير مرئية ؟ وهل حان الوقت لإعادة النظر والبحث عن القيمة التي قد تكون غافلًا عنها؟

