حقوق الإنسان في زمن الحروب: الانتهاكات لا تبررها أي جهة.. قضية عمر دارس نموذجاً
بقلم: هدى العيسوى
في ظل الحروب والنزاعات المسلحة، تصبح حقوق الإنسان واحدة من أكبر الضحايا، إذ تتراجع القوانين أمام صوت السلاح، وتدخل المجتمعات في دوامة من الانتهاكات التي غالباً ما تطال المدنيين قبل غيرهم. ومع اتساع رقعة الصراع، تتزايد المخاوف من أن تتحول الاعتبارات الأمنية والعسكرية إلى مبرر لتجاوز الحقوق الأساسية، سواء من قبل الحكومات أو الجماعات المسلحة أو أي أطراف منخرطة في النزاع.
وفي العديد من مناطق الصراع حول العالم، أثبتت التجارب أن الانتهاكات لا ترتبط بطرف واحد فقط، بل قد تصدر من جهات متعددة ومتعارضة في الوقت ذاته، وهو ما يجعل ملف حقوق الإنسان أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما يصبح المدنيون عالقين بين جبهات متصارعة، يدفعون ثمن الاستقطاب السياسي والعسكري والانقسامات الاجتماعية والقبلية.
ويعيش السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 حالة إنسانية وحقوقية بالغة الصعوبة، في ظل اتهامات متبادلة بين أطراف النزاع بشأن الانتهاكات التي شملت الاعتقالات التعسفية، والقتل، والنزوح، والتعذيب، وخطاب الكراهية، إضافة إلى محاكمات يصفها حقوقيون بأنها تفتقر في بعض الحالات إلى الضمانات القانونية الكافية.
وفي هذا السياق، تبرز قضية المواطن السوداني عمر محمد عمر دارس كنموذج يعكس حجم التعقيدات المرتبطة بحقوق الإنسان أثناء النزاعات. ووفقاً لتقرير صادر عن منظمة مناصرة ضحايا دارفور، فإن القضية تضمنت مزاعم تتعلق بالاعتقال التعسفي وسوء المعاملة والاستهداف على أساس الخلفية القبلية، إلى جانب اتهامات بانتزاع اعترافات تحت الإكراه ومحاكمة ارتبطت بقوانين الجرائم الموجهة ضد الدولة.
وبحسب ما ورد في التقرير، فإن القضية ترتبط كذلك بالمناخ العام للحرب والاستقطاب السياسي، حيث أصبحت بعض المواقف أو الآراء أو حتى الخلفيات الجغرافية والقبلية محل اشتباه أمني في ظل تصاعد الصراع. كما تشير تقارير حقوقية إلى وجود مخاوف أوسع من استخدام قوانين الطوارئ والأمن القومي في ملاحقة مدنيين من مناطق معينة أو بسبب آرائهم السياسية.
لكن في المقابل، تؤكد منظمات دولية وحقوقية أن حماية حقوق الإنسان لا يجب أن تكون انتقائية أو مرتبطة بطرف دون آخر، إذ إن الانتهاكات تظل مرفوضة أياً كان مرتكبها، سواء صدرت عن سلطات رسمية أو جماعات مسلحة أو أي جهات مشاركة في النزاع. كما أن القانون الدولي الإنساني يحمّل جميع الأطراف مسؤولية حماية المدنيين واحترام الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة والمحاكمة العادلة وحرية الرأي وعدم التعرض للتعذيب أو التمييز.
وتشير مؤسسات حقوقية دولية، من بينها الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، إلى أن استمرار الإفلات من المحاسبة خلال الحروب يؤدي إلى تعميق الأزمات وإطالة أمد الصراعات، بينما يمثل احترام العدالة وسيادة القانون خطوة أساسية نحو أي تسوية سياسية أو مصالحة مجتمعية.
إن أخطر ما قد تواجهه الدول خلال النزاعات ليس فقط اتساع دائرة العنف، بل انهيار الثقة في العدالة وتحول الحقوق الأساسية إلى ضحية للصراع السياسي والعسكري. لذلك، فإن معالجة الانتهاكات تتطلب مقاربة شاملة لا تنحاز لأي طرف، بل تستند إلى مبدأ واضح مفاده أن الإنسان وكرامته يجب أن يبقيا فوق كل الحسابات السياسية والعسكرية والقبلية.

