مؤسستك تدفع الرواتب مقابل (البصمة).. لا مقابل (الإنجاز)!
بقلم: تامر الجندي
قبل دقائق من الثامنة صباحًا، يتحول مدخل بعض المؤسسات إلى سباق صامت.
موظفون يسرعون الخطى، نظرات خاطفة إلى الساعة، ومحاولة أخيرة للحاق بجهاز تسجيل الحضور قبل احتساب دقائق التأخير.
في تلك اللحظة، يبدو المشهد وكأنه انتصار كامل لفكرة الانضباط الوظيفي. الجميع في أماكنهم، والبصمة سُجلت في موعدها.
لكن خلف هذا المشهد الاعتيادي، يبرز سؤال إداري أكثر تعقيداً:
ربما لا تكمن القضية في الموظف الذي يركض صباحًا، بل في الدافع وراء هذا الركض.
هل يتحرك بدافع المسؤولية المهنية، مدفوعًا بقناعة داخلية بأن هناك أعمالًا تنتظر الإنجاز وقرارات لا تحتمل التأجيل؟ أم أن المؤسسة دون أن تقصد أعادت تعريف أولوياته، فتحولت اللحظة الأكثر إلحاحًا في بداية يومه من التفكير فيما سيُنجزه إلى مجرد اللحاق بجهاز البصمة قبل تسجيل دقائق تأخير أو تجنب خصم وجزاء إداري؟.
بمعنى آخر:
هل نصنع موظفًا منشغلًا بالإنجاز… أم موظفًا بارعًا في تجنب المخالفة؟
قد يبدو السؤال قاسيًا، لكنه يلامس واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في بيئات العمل الحديثة: كيف تُشكّل أنظمة الإدارة سلوك الموظفين؟.
فعلى مدار عقود، ارتبط مفهوم الانضباط المهني بالحضور الجسدي والالتزام الصارم بساعات العمل. وكان ذلك منطقيًا في بيئات تعتمد على التشغيل المباشر والوجود الميداني. لكن مع تغير طبيعة الأعمال، واتساع الاقتصاد المعرفي، وتعاظم الأدوار التي تقوم على التفكير والتحليل واتخاذ القرار، لم يعد الوجود وحده كافيًا كمؤشر على القيمة المضافة.
ففي كثير من المؤسسات اليوم، لا يُقاس أثر الموظف بعدد الساعات التي أمضاها داخل المكتب، بل بقدرته على الإنجاز، وحل المشكلات، وتحقيق نتائج قابلة للقياس.
وخلال السنوات الأخيرة، دفعت نماذج العمل المرن والهجين العديد من الشركات عالميًا إلى إعادة النظر في طرق تقييم الأداء، مع اتجاه متزايد نحو ربط التقييم بالمخرجات ومؤشرات الإنجاز بدلًا من الاعتماد الحصري على ساعات الحضور.
لكن في المقابل، لا تزال بعض المؤسسات بدافع التنظيم أو سهولة القياس تميل إلى مؤشرات واضحة ومباشرة: وقت الدخول، ووقت الخروج، وعدد ساعات التواجد. وهي مؤشرات قد تعكس الانضباط الشكلي، لكنها لا تُجيب دائمًا عن السؤال الأصعب: ماذا تحقق خلال هذا الوقت؟.
وهنا تكمن المفارقة.
فعندما يصبح الموظف أكثر انشغالًا بتسجيل حضوره في الدقيقة المناسبة، بدلًا من التفكير في قيمة ما سيقدمه خلال يوم العمل، فإن المؤسسة قد تكون دون أن تشعر أعادت توجيه الحافز من المسؤولية إلى الامتثال، ومن المبادرة إلى تجنب العقوبة.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحضور فقد أهميته، أو أن المؤسسات يجب أن تتخلى عن الانضباط الزمني بالكامل. فهناك وظائف تعتمد بطبيعتها على الوجود المباشر، وعلى تنسيق لحظي لا يمكن تعويضه دائمًا بالمرونة.
لذلك ربما لم يعد السؤال الحقيقي اليوم:
هل بصمة الحضور مهمة أم لا؟
بل سؤال أكثر دقة:
هل تساعد أنظمة الحضور على تعزيز الإنتاجية فعلًا… أم أنها تدفع الموظفين تدريجيًا إلى إتقان الحضور أكثر من إتقان الإنجاز؟

