رؤوف رضوان يكتب : تدهور الحياة السياسية: حينما تُصيب أموال الانتخابات عرقلة للخبرات والكفاءات
لطالما كانت الانتخابات البرلمانية محطة أساسية في البناء الديمقراطي، تُفترض فيها المنافسة الشريفة على أساس الكفاءة والخبرة السياسية لضمان تمثيل حقيقي وفعّال للشعب. لكن، للأسف الشديد، بات المشهد في مصر و العديد من الدول يشهد تدهورًا لافتًا، يُعزى جزء كبير منه إلى استراتيجيات بعض الأحزاب السياسية التي باتت تراهن على رؤوس الأموال كأداة رئيسية للوصول إلى قبة البرلمان.
صعود “مرشحي الثروة” وتهميش أهل السياسة
تكمن الإشكالية في التوجه المتزايد للأحزاب نحو دعم وترشيح أشخاص يمتلكون نفوذًا ماليًا كبيرًا، حتى لو كانوا يفتقرون للحد الأدنى من التجربة السياسية أو الكفاءة التشريعية. في هذه المعادلة الجديدة، يصبح التمويل الضخم للحملات الانتخابية، والقدرة على شراء الأصوات أو التأثير عبر شبكات المصالح الاقتصادية، هو المعيار الأول للترشح، متفوقًا بذلك على:
- الخبرة السياسية: سنوات العمل في الشأن العام، وفهم آليات التشريع والرقابة.
- الكفاءة الفكرية: القدرة على صياغة القوانين، وتحليل المشكلات المجتمعية المعقدة.
- التاريخ النضالي: الالتزام بقضايا المواطنين والدفاع عن حقوقهم.
هذا الاتجاه يُكرّس ظاهرة “مرشحي الثروة”، الذين قد ينظرون إلى المقعد البرلماني كواجهة اجتماعية أو أداة لحماية مصالحهم الاقتصادية، بدلاً من كونه مسؤولية وطنية. وفي المقابل، يتم استبعاد الخبرات السياسية الحقيقية والكفاءات المهنية التي لا تمتلك التمويل اللازم لمنافسة هذا التيار.
رسالة حاسمة من القيادة: الإرادة الشعبية خط أحمر
في خضم هذا المشهد، تأتي توجيهات القيادة السياسية لتضع إطاراً صارماً لضمان نزاهة العملية الانتخابية. فقد وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي رسالة حاسمة إلى الهيئة الوطنية للانتخابات ، شدد فيها على ضرورة التدقيق التام في جميع الطعون والأحداث التي صاحبت الجولة الأولى من انتخابات مجلس النواب.
ولم تقف هذه التوجيهات عند حدود الفحص، بل أكدت على عدم التردد في اتخاذ القرار الصحيح الذي يكشف عن إرادة الناخبين الحقيقية، حتى لو وصل الأمر إلى إلغاء نتائج الانتخابات جزئياً في دائرة أو أكثر، أو حتى الإلغاء الكامل لهذه المرحلة، وإعادة الانتخابات لاحقًا في الدوائر التي يتعذر فيها الوصول إلى تلك الإرادة.
هذا التأكيد الرسمي يمثل جرس إنذار ضد ظاهرة “المال السياسي” وضرورة أن يأتي أعضاء المجلس ممثلين فعليين عن شعب مصر. وهو بذلك يعزز المطلب الشعبي ببرلمان حقيقي قادر على التشريع والرقابة بكفاءة.
تدهور الأداء البرلماني وتراجع الثقة
إن المحصلة النهائية لهذا التوجه لا تقف عند حدود العملية الانتخابية فحسب، بل تمتد لتشوه صورة المؤسسة التشريعية بأكملها. فعندما تغيب الخبرة والكفاءة، يتراجع مستوى الأداء البرلماني. وتظهر العيوب في:
- جودة التشريع: ضعف في صياغة القوانين وعدم ملامستها للمشكلات الحقيقية للمجتمع.
- فعالية الرقابة: عدم القدرة على مساءلة الحكومة بفعالية نتيجة ضعف الخلفية السياسية أو وجود تضارب في المصالح.
- التمثيل الحقيقي: شعور الناخبين بأن ممثليهم لا يعكسون تطلعاتهم، بل مصالح الفئة المُموِّلة.
عزوف الشباب: رد فعل طبيعي على “سياسة المال“
ربما يكون أخطر نتائج هذا التدهور هو عزوف الشباب عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية. فالشباب، الذين يمثلون طاقة التغيير في أي مجتمع، يدركون سريعًا أن الساحة السياسية لم تعد ميدانًا لتنافس الأفكار والبرامج، بل ساحة يتنافس فيها المال.
عندما يرى الشاب أن طريقه للعمل السياسي يمر عبر الحسابات البنكية الضخمة وليس عبر التفوق الأكاديمي أو النشاط المجتمعي، يفقد الأمل في إحداث تغيير حقيقي عبر صناديق الاقتراع.
هذا الشعور بالإحباط يؤدي بالشباب إلى الانسحاب من العملية السياسية، وبالتالي حرمان الساحة السياسية من جيل جديد يمكنه ضخ دماء وأفكار جديدة، وترك المجال مفتوحًا أمام الاستمرار في نفس الدائرة المفرغة من التدهور.
الدعوة لإعادة بوصلة العمل السياسي
إن إنقاذ الحياة السياسية من هذا المنزلق يتطلب مراجعة فورية وجذرية من قبل الأحزاب السياسية والمجتمع المدني معًا:
- على الأحزاب: يجب عليها إعادة النظر في معايير اختيار مرشحيها، ووضع الخبرة والكفاءة والنزاهة فوق أي اعتبار مادي.
- على المشرعين: ضرورة وضع قوانين فعالة لتمويل الحملات الانتخابية، تضمن تكافؤ الفرص وتقيد دور “المال السياسي” بشكل صارم.
- على الناخبين: تحمل المسؤولية في عدم الانجرار وراء الإغراءات، والتدقيق في سيرة المرشحين وبرامجهم، والبحث عن الكفاءات حتى وإن كانت لا تملك التمويل الضخم.
إن عودة الثقة في المؤسسات الديمقراطية لن تتحقق إلا بعودة القرار إلى الشعب، وتمثيل حقيقي يعتمد على العقول والخبرات، لا على جيوب المرشحين.

