“ما بعد الحداثة”: مزاج فكري يفكك المطلقات الكبرى و يحتفي بالتعدد : ندوة فكرية ببيت ثقافة سنورس بالفيوم.

العودة للخلف

تم إرسال رسالتك

تحذير

تحذير

تحذير

تحذير

تحذير.

تقرير – رؤوف رضوان 

اختتمت أمس ببيت ثقافة سنورس بالفيوم ، ندوة فكرية هامة تناولت مفهوم “أدب ما بعد الحداثة”، شارك فيها الأستاذ أحمد طوسون، والأستاذ أحمد عبد الباقي، والدكتور عمر صوفي. وقدّم المتحدثون قراءة معمقة لهذا التحول الفكري والثقافي الذي تجاوز الأدب ليشمل الفن، والعمارة، والفكر الفلسفي، والسياسة، والإعلام.

 

ليست “فلسفة موحدة” بل “مزاج فكري عام”

أكد المشاركون في الندوة على أن ما بعد الحداثة ليست “فلسفة” موحّدة أو منهجاً متماسكاً، بل هي “مزاج فكري عام” نشأ كردّ فعلٍ على خيبات المشروع الحداثي وطموحاته التي لم تتحقق. يرفض هذا المزاج الفكري “المطلقات الكبرى” التي تبنتها الحداثة، مثل: العقل، التقدم، الحقيقة، والموضوعية. وبدلاً من ذلك، يحتفي بما بعد الحداثة بكل من التعدد، والاختلاف، والتفكيك، واللعب بالمعنى.

 

جوهر التحول: من الثقة إلى الريبة

لخص المتحدثون جوهر التحول الذي أحدثته ما بعد الحداثة في نقاط محورية:

 

من الثقة بالعقل إلى الريبة منه: حيث فقد العقل مكانته كمرجعية وحيدة للحقيقة والمعرفة.

 

من السعي إلى الحقيقة إلى الاعتراف بتعدد الحقائق: إقرار بنسبية المعرفة وعدم وجود حقيقة موضوعية مطلقة يمكن الوصول إليها.

 

من النظام والتقدم إلى اللعب والتفكيك: استبدال الإيمان بالهياكل المنطقية والمسارات التطورية بمفاهيم اللعب بالمعنى وتفكيك النصوص والهياكل.

 

وأوضح المتحدثون أن ما بعد الحداثة لا تُعد إنكاراً كاملاً للحداثة، بل هي نقدٌ داخليٌّ لها، واستمرار لها في شكل اعتراض يفتح الباب أمام مساءلة أسسها.

 

الجذور الفكرية والفلسفية

تعود جذور ما بعد الحداثة إلى إرث فكري وفلسفي عميق، أبرزه:

 

فريدريك نيتشه: الذي شكّك في وجود الحقيقة الموضوعية وشرّع الطريق لنقد القيم التقليدية.

 

جاك دريدا: الأب الروحي لمفهوم “تفكيك المعنى” الذي يرفض وجود معنى أصيل أو مركز ثابت في النص.

 

ميشيل فوكو: بأفكاره حول العلاقة المتشابكة بين السلطة والمعرفة وكيف تُنتج كل منهما الأخرى.

 

جان بودريار: الذي حلل ظواهر “المحاكاة” و**”الواقع الزائف”** الذي يخلقه الإعلام والثقافة الاستهلاكية.

 

تناقض ما بعد الحداثة وانعكاساتها الأدبية

لفت المتحدثون إلى التناقض الجوهري الذي يعتري ما بعد الحداثة: فهي في آنٍ واحد نقدٌ للسلطة والهياكل الأبوية، ولكنها أيضًا أصبحت جزءاً من منظومة ثقافية تابعة للاستهلاك والرأسمالية.

 

أما على الصعيد الأدبي، فقد تجلت انعكاسات هذا المزاج الفكري في سمات واضحة، تشمل:

 

الغموض والشك والنسبية: في الرؤى والسرد.

 

التداخل بين الواقع والخيال: عبر كسر حدود الأنواع الأدبية.

 

اللعب بالزمان والمكان: واستخدام السرد غير الخطي.

 

التفكيك والسخرية والتناقض: كأساليب هدم لبنية النص ومرجعيته.

 

نقد السلطة والهياكل الاجتماعية: بأسلوب لاذع وغير مباشر في كثير من الأحيان.

 

في الختام، أكدت الندوة على الأهمية المستمرة لفهم ما بعد الحداثة كقوة دافعة وناقدة للثقافة المعاصرة، ورغم تحدياتها وتناقضاتها، فإنها تُعد مرآة عاكسة لإشكاليات العصر الحديث وما تلاها.

بوابة مصر الحدث الالكترونية