رؤوف رضوان يكتب الدراما العربية: من منصة للتربية إلى منبر للفوضى

رؤوف رضوان يكتب الدراما العربية: من منصة للتربية إلى منبر للفوضى

في زمنٍ غير بعيد، كانت الدراما العربية – وعلى رأسها المصرية – أشبه بمُعلِّم صامت يُربّي الأجيال، ويغرس فيهم القيم النبيلة، ويرسّخ مفاهيم الانتماء والرحمة واحترام القانون. لم تكن المسلسلات مجرد تسلية مسائية، بل كانت نافذة تطل منها الأسرة على دروس في الأخلاق والضمير، ينهل منها الصغير قبل الكبير، ويتعلم منها الجميع كيف يكون الإنسان إنسانًا.

من ذا الذي لم تهزّ مشاعره رحلة كفاح “عبد الغفور البرعي” في “لن أعيش في جلباب أبي”، أو لم تترسخ في قلبه معاني الوطنية والتضحية من شخصية “رأفت الهجان”؟ كانت الدراما آنذاك مرآة صادقة لمجتمع فيه الخير، وفيه الأمل، تقدمه أقلام مثل نجيب محفوظ ويوسف السباعي ونبيل فاروق بأسلوب راقٍ يخاطب العقل والقلب معًا.

لكن ملامح الدراما المعاصرة تغيّرت كثيرًا. فبدلاً من القيم والمبادئ، أصبحت الشاشة ميدانًا مفتوحًا للبلطجة، والخروج على القانون، وتقديم المجرم كبطل شعبي، وتاجر المخدرات كنموذج للذكاء والنجاح. هكذا تراجع دور الدراما كمصلح اجتماعي، لتصبح – في بعض الأعمال – أداة لتطبيع العنف والفوضى، تُظهر مجتمعًا بلا قانون ولا ضمير، يعجّ بالصراخ والسباب والمشاهد الصادمة.

هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة إيمان بعض الكُتّاب والمخرجين بأن “الواقعية” تقتضي تضخيم النماذج السلبية، متناسين ملايين المكافحين البسطاء الذين يبنون أوطانهم كل يوم دون ضجيج. الأسوأ من ذلك أن هذه الأعمال أصبحت تغذي سلوكيات منحرفة لدى الشباب، وترسّخ اعتقادًا بأن العنف قوة، وأن الأخلاق ضعفٌ وسذاجة.

ولعل أكثر ما يُثير القلق هو ما بات يُرصد على أرض الواقع من جرائم تقليد، خاصة بين المراهقين، ممن تأثروا بشخصيات درامية “منفلتة”، وراحوا يقلدونها في السلوك والملبس والألفاظ، بل وفي الجرائم أحيانًا. فقد شهدت مصر في السنوات الأخيرة حوادث عنف أسرية، واعتداءات جماعية، بل وجرائم قتل ارتُكبت على نمط مشاهد درامية شهيرة، في مشهد يعكس خطر اختلاط الخيال المنحرف بالواقع الهش. وتكررت في الصحف عبارات مثل “مستوحاة من مسلسل”، أو “نفّذ الجريمة كما رآها في الدراما”، ما يدل على حجم التأثير وعمقه.

وفي هذا السياق، جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة، مؤكدة على ضرورة أن تتحلى الدراما والمسلسلات بما يعكس قيم المجتمع المصري الأصيل، وأن تبتعد عن تمجيد العنف أو تزييف الواقع، خاصة فيما يُعرض للشباب والنشء. الرئيس شدد مرارًا على أن الإعلام والفن لهما دور أساسي في بناء الوعي المجتمعي، وأن مصر بحاجة إلى دراما تُعلي من شأن الأخلاق، والانتماء، والعمل الشريف، بدلاً من التطبيع مع القبح والانفلات.

إن مسؤولية الإعلام وصناع الدراما لا تقل عن مسؤولية المعلم أو رجل الدين. فكل مشهد يُعرض، وكل عبارة تُقال، لها وقع وتأثير. وإذا استمر هذا التوجه، فإننا بصدد إعداد جيل يرى في البلطجة بطولة، وفي التحايل شطارة، وفي الأخلاق ضعفًا وتخلفًا.

خلاصة القول :

لقد آن الأوان لوقفة جادة، يشارك فيها الفنانون والكتّاب والمنتجون، ليعيدوا الفن العربي إلى مكانته الحقيقية: أداة للإصلاح، ومرآة للضمير، لا مجرد وسيلة للربح أو الجذب الرخيص. فإما أن نرتقي بالدراما… أو نتركها تهدم ما تبقى من قيم.

بوابة مصر الحدث الالكترونية