كيف تصنع ثقافة مؤسسية تُلهِم النجاح؟
بقلم: تــامر الجنــدى
في عالم الأعمال حيث القرارات تتطلب ثوانٍ والأهداف تتغير قبل تحقيقها، يصبح النجاح أشبه بسباق ضد الزمن. وبينما تتسارع وتيرة الحياة المهنية وتزداد الضغوط يومًا بعد يوم، نجد أن هناك عنصرًا أساسيًا يميز المؤسسات الناجحة عن غيرها. هذا العنصر ليس مجرد استراتيجية أو خطة عمل، بل هو الثقافة المؤسسية التي تمثل الروح الحقيقية للشركة.
لكن ما هي الثقافة المؤسسية بالضبط؟ تخيل مؤسستك كبيت كبير؛ الأساس الذي بُني عليه هذا البيت هي القيم والممارسات المشتركة، بينما الروح التي تسكنه هي الثقافة. هذه الثقافة ليست مجرد قواعد مكتوبة على الجدران، بل هي الطريقة التي نفكر بها، نتصرف بها، ونتعامل بها مع بعضنا البعض ومع العالم الخارجي. كما يقول إدغار شاين ، الخبير العالمي في مجال الثقافة التنظيمية : “الثقافة هي مجموعة من الفرضيات الأساسية التي طورتها مجموعة الناس أثناء حل مشكلاتها، والتي تعلمت أنها تعطي نتائج جيدة وتدريسها للأجيال الجديدة كطريقة صحيحة لفهم والتفكير والتصرف في العلاقات مع العالم الخارجي والبعض الآخر”.
وفي رأيي، الثقافة هي السر الحقيقي وراء الشعور بالراحة أو الضيق في مكان العمل.
لماذا تعتبر الثقافة المؤسسية مهمة؟في الواقع، الثقافة المؤسسية تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مستقبل أي شركة. عندما تكون الثقافة قوية وواضحة، فإنها تعزز الشعور بالانتماء لدى الموظفين. هذا الشعور يجعلهم يعملون بحماس وثقة، لأنهم يعلمون أنهم يساهمون في تحقيق هدف مشترك أكبر من مجرد تحقيق الأرباح. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ هل تساءلت يومًا لماذا تنجح بعض الشركات في ابتكار حلول جديدة بينما تفشل أخرى؟ السر يكمن في الثقافة الصحيحة التي تخلق بيئة تشجع الإبداع والتفكير خارج الصندوق.وكما يقول بيتر دراكر (Peter Drucker): “الثقافة تأكل الاستراتيجية للفطور.” هذه العبارة تعكس مدى أهمية الثقافة مقارنة بالخطط والاستراتيجيات التقليدية. فالثقافة هي التي تجعل كل شيء آخر ممكنًا.
أذن كيف يمكن بناء ثقافة مؤسسية قوية؟ أول خطوة في بناء ثقافة مؤسسية قوية هي تحديد القيم الأساسية. لكن هل القيم وحدها كافية؟ بالتأكيد لا! يجب أن تكون هذه القيم واضحة ومفهومة من الجميع، وأن يتم ترجمتها إلى ممارسات يومية. ومن ثم، يأتي دور القيادة في تعزيز هذه القيم. القيادات يجب أن تكون نموذجًا يحتذى به، حيث يعكسون القيم التي تسعى المؤسسة لتحقيقها في سلوكهم اليومي.
وفقًا لإدغار شاين، القيادة هي المحرك الأساسي لتغيير الثقافة. القادة هم من يشكلون القيم ويحددون كيفية تبنيها من قبل الفريق.
إضافة إلى ذلك، يجب أن يكون هناك تركيز على إشراك الموظفين في عملية بناء الثقافة. لماذا؟ لأنه عندما يشعر الموظفون بأن لديهم صوتًا وأثرًا في تشكيل البيئة التي يعملون فيها، فإن ذلك يعزز من ولائهم ويعطيهم دافعًا إضافيًا للعمل بجد.
ان التواصل الفعال يلعب دورًا محوريًا في بناء ثقافة مؤسسية قوية. عندما يكون هناك تواصل واضح وشفاف بين جميع المستويات الوظيفية داخل المؤسسة، فإن ذلك يقلل من سوء الفهم ويحسن من الكفاءة العامة. كما أن الثقافة الصحية تساعد في بناء سمعة إيجابية للمؤسسة لدى الجمهور الخارجي.كما يقول العالم ستيفن كوفي (Stephen Covey): “التواصل هو المفتاح لبناء الثقة، والثقة هي أساس أي علاقة ناجحة”.
لكن هل يمكن أن تؤدي بعض الأخطاء إلى ضعف الثقافة المؤسسية؟ بالتأكيد! من بين هذه الأخطاء: عدم الالتزام بالقيم المعلنة، تجاهل آراء الموظفين، والاعتماد المفرط على السياسات بدلاً من الروح الإنسانية. كما أن غياب المرونة في مواجهة التغيرات أو ترك الثقافة تتطور بشكل عشوائي قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
وفي رأيي، أهم خطأ يمكن أن ترتكبه أي مؤسسة هو تجاهل أهمية الإنسان في المعادلة. بدون موظفين لديهم رضا وظيفي وروح انتماء، لن يكون هناك نجاح حقيقي.
في النهاية، ثقافة المؤسسة ليست مجرد فكرة مجردة أو خطة استراتيجية؛ إنها القلب النابض الذي يدفع الجميع للأمام. هي التي تجعل الموظفين يستيقظون صباحًا بحماس، وتجعل العملاء يعودون لأنهم يشعرون بأنهم جزء من شيء رائع. جون كوت (John Kotter)، أحد أشهر خبراء القيادة والإدارة يقول : “الثقافة هي الجوهرة الحقيقية لأي مؤسسة. بدون ثقافة قوية، لن تكون هناك استدامة”.
فان النجاح ليس مجرد رقم أو هدف مالي؛ إنه شعور بالانتماء، إبداع لا ينضب، وروح تدفع الجميع للأمام. إذا نجحت في بناء ثقافة مؤسسية قوية، فإنك بذلك تزرع بذرة لنجاح مستدام سيستمر لسنوات طويلة.

