حين يعاقب الشرفاء من ينتصر الغش أم كرامه المعلم ؟
بقلم: الإعلامية دكتورة هبة الجزار
في مشهد يدعو إلى الحزن والدهشة معا يقف المجتمع أمام سؤال مؤلم: إلى أين نحن ذاهبون إذا أصبح المعلم يهان لأنه رفض الغش؟.
أن يصل الأمر إلى تعرض معلم للضرب والإهانة من بعض أولياء الأمور بعد انتهاء اللجان فقط لأنه أدى واجبه المهني ورفض السماح للطلاب بالغش فهذه ليست واقعة فردية عابرة بل جرس إنذار خطير يكشف عن خلل عميق في منظومة القيم التي تربينا عليها.
لقد كان المعلم وما زال صاحب رسالة سامية يحمل على عاتقه مسؤولية بناء العقول وتشكيل الضمائر وعندما يصر على تطبيق القانون ويحافظ على نزاهة الامتحانات فإنه لا يحارب الطلاب بل يحمي مستقبلهم من الانهيار الأخلاقي قبل العلمي.
إن أخطر ما في الأمر ليس واقعة الاعتداء نفسها، وإنما محاولة تبريرها تحت ضغط الخوف على مستقبل الأبناء أو الرغبة في حصولهم على درجات أعلى فما قيمة شهادة حصل عليها الطالب بالغش؟ وما قيمة نجاح تأسس على الكذب والتجاوز؟.
وكيف نطالب غدا بطبيب أمين أو مهندس مسؤول أو قاضى عادل إذا كنا اليوم نعلم أبناءنا أن الغاية تبرر الوسيلة وأن الاعتداء على من يطبق القانون أمر يمكن التغاضي عنه؟.
إن من يعتدي على معلم لأنه رفض الغش لا يسيء إلى شخص بعينه بل يسيء إلى هيبة المؤسسة التعليمية بأكملها ويبعث برسالة خطيرة للأجيال القادمة مفادها أن الالتزام بالقانون جريمة وأن الأمانة المهنية تستحق العقاب.
إن حماية المعلم ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية فالمعلم الذي يشعر بالخوف أو الإهانة لن يستطيع أداء رسالته على الوجه الأكمل والمدرسة التي يفقد فيها المعلم هيبته تتحول إلى ساحة للفوضى ويصبح الانضباط فيها استثناءً لا قاعدة.
نحن اليوم أمام مسؤولية مشتركة؛ مسؤولية الأسرة والمؤسسة التعليمية والإعلام ورجال الدين وكل صاحب تأثير في المجتمع علينا أن نعيد ترسيخ حقيقة بسيطة لكنها جوهرية: النجاح الحقيقي لا يسرق داخل لجان الامتحانات بل يصنع بالاجتهاد والالتزام واحترام القيم.
كما أن هناك حاجة ملحة لتطبيق القانون بحزم تجاه كل من تسول له نفسه الاعتداء على المعلمين أثناء أداء واجبهم أو بسببه، حتى يعلم الجميع أن كرامة المعلم خط أحمر وأن حماية العملية التعليمية مسؤولية لا تقبل المساومة.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يجب أن يجيب عنه المجتمع كله:
هل أصبح الغش في الامتحانات أهم من كرامة المعلم؟
إذا كانت الإجابة “لا” فعلينا أن نثبت ذلك بالأفعال لا بالشعارات بأن نحترم المعلم ونسانده ونحاسب المعتدي عليه ونربي أبناءنا على أن النجاح الذي يأتي من باب الغش ليس نجاحا بل هزيمة أخلاقية مؤجلة.
تحية تقدير واحترام لكل معلم تمسك بضميره المهني ورفض أن يبيع رسالته تحت أي ضغط أو تهديد. فأنتم حراس القيم وصناع المستقبل وكرامتكم من كرامة الوطن.

