هل الغش أهم من كرامة المعلم؟ “ثمن النزاهة: رفضت تغشيش بنتهم فكان هذا ردّهم”

هل الغش أهم من كرامة المعلم؟  “ثمن النزاهة: رفضت تغشيش بنتهم فكان هذا ردّهم”

كتبت هبة شاهين

إلى أين وصلنا أمام مدرسة بسبب “لا” للغشل

مشهد صادم وثقته الكاميرات أمام مدرسة “ناصر بن عبدالله المسند للتعليم الأساسي” بإدارة فاقوس بالشرقية. بعد انتهاء امتحان العلوم للشهادة الإعدادية، تحولت ساحة المدرسة إلى حلبة ضرب وسحل. سيدة تُضرب وسط صراخ وكرّ وفرّ.

الرواية التي أشعلت السوشيال ميديا كانت أشد إيلاماً من الفيديو نفسه: معلمة منعت الغش داخل اللجنة، فانتظرها أولياء الأمور بالخارج ليعاقبوها. العنوان كان جاهزاً: “سحل معلمة رفضت الغش”.

 

ماذا حدث فعلاً؟

خرجت مديرية التربية والتعليم بالشرقية يوم الخميس 11 يونيو 2026 لتضع النقاط على الحروف. بيانها الرسمي قال 3 حقائق:

 

1. *المشاجرة وقعت خارج أسوار اللجنة* بعد خروج الطلاب تماماً.

2. *أطرافها أولياء أمور* بينهم خلافات شخصية وعائلية قديمة، لا علاقة لها بالامتحان.

3. *لا معلمات ضمن أطراف الواقعة*، ولم ترد أي شكاوى من الملاحظين عن اعتداء على معلمة.

 

إذن، الرواية الأولى لم تكن دقيقة. لكن لماذا صدّقناها جميعاً في ثوانٍ؟ هنا بيت القصيد.

 

*لماذا صدّقنا الكذبة؟ لأن الحقيقة أمرّ*

 

المشكلة ليست في فيديو فاقوس. المشكلة أننا صدقنا رواية “ضرب المعلمة بسبب منع الغش” لأننا نعرف أنها _ممكن تحصل_. لأن كل معلم في مصر لديه حكاية عن تهديد أو تطاول أو ابتزاز، والسبب واحد: قال “لا” للغش.

 

الواقعة، حتى لو كانت خلافاً عائلياً، عرّت 3 أمراض نخرت جسد التعليم:

 

*1. الغش تحول من جريمة إلى “حق مكتسب”*

أصبح كثير من أولياء الأمور يتعاملون مع لجنة الامتحان كأنها “دليفري نجاح”. دور المراقب عندهم هو تسهيل مهمة ابنهم، ومن يمنع الغش يصبح عدواً شخصياً. النزاهة تهمة، والتساهل “جدعنة”.

 

*2. هيبة المعلم انهارت*

“قم للمعلم وفه التبجيلا” بيت شعر من زمن فات. اليوم المعلم هو الحلقة الأضعف. يخاف من الطالب، ويخاف من ولي الأمر، ويخاف من تصوير الموبايل. النتيجة؟ آلاف يغضون الطرف عن الغش لا اقتناعاً، بل خوفاً على أنفسهم وأكل عيشهم. فمن يحميه حين يختار النزاهة؟

 

*3. الشائعة تسبق التحقيق*

الفيديو انتشر تحت عنوان “سحل معلمة” في دقائق. النفي الرسمي جاء بعد ساعات. لكن الانطباع الأول استقر. الضرر وقع. لأن الشارع جاهز لتصديق أي إهانة للمعلم، بعد سنوات من تكسير هيبته.

 

*ثمن النزاهة باهظ، والمعلم يدفعه وحده*

 

حتى لو برّأت تحقيقات فاقوس ساحة الامتحانات من هذه الواقعة، فالذاكرة القريبة لا تنسى. وقائع الاعتداء على معلمين بسبب منع الغش حدثت بالفعل في الدقهلية وغيرها. الرسالة وصلت لكل معلم: ثمن نزاهتك قد يكون كرامتك، أو سلامتك.

 

*فإلى أين وصلنا فعلاً؟*

 

وصلنا لمرحلة يسأل فيها المجتمع بصوت عالٍ: هل الغش أهم من كرامة المعلم؟

وصلنا لمرحلة يرى فيها بعض أولياء الأمور أن المدرسة “خدمة عملاء” مهمتها الوحيدة هي تنجيح أبنائهم، بأي وسيلة.

وصلنا لمرحلة يُفض فيها الشارع اشتباكات الامتحانات، لا القانون.

 

الحل لا يكمن في بيانات النفي. بيانات النفي تداوي العَرَض ولا تعالج المرض. الحل يبدأ بقرار مجتمعي واضح:

 

*كرامة المعلم خط أحمر.* من يتعدى عليه يتعدى على مستقبل وطن.

*الغش جريمة.* ليس فهلوة ولا شطارة. هو سرقة مقعد من طالب مجتهد.

*المدرسة حرم تعليمي مقدس.* ومن يحولها لساحة حرب يُحاسب بقوة القانون، وبأسرع وقت.

 

عايز تغشش بنتك؟ هذا اختيارك وستحصد نتيجته. لكن إياك أن تجعل من رفض الغش تهمة، ومن النزاهة جريمة تستحق السحل. لأننا حين نعاقب النزيه، نكافئ الفاسد. وحينها لن يتبقى لنا تعليم ولا معلم ولا كرامة.

هبة شاهين

الإعلامية هبة شاهين مقدمه برنامج بداية أمل بالقنوات الفضائية

اترك تعليقاً