هبة شاهين تكتب: ​بين رقيّ التعفف وجرأة التعدي: حين تصبح “عزة النفس” ضريبة مؤلمة

هبة شاهين تكتب: ​بين رقيّ التعفف وجرأة التعدي: حين تصبح “عزة النفس” ضريبة مؤلمة

تكتب هبة شاهين

​في مجتمعاتنا، دائماً ما كان يُشار إلى “ابن الأصول” ليس بمن يملك المال والجاه، بل بمن يملك رصيداً لا ينفد من الحياء والترفع. هذا الشخص الذي تربى على أن الكرامة أغلى من الخبز، تجده يواجه صراعاً داخلياً مريراً عندما يتعرض للظلم؛ فهو يمتلك من “الرقي” ما يمنعه من الصياح، ومن “عزة النفس” ما يجعله يشعر بالخجل من المطالبة بحق هو في الأصل ملكه.

​ضريبة الرقي في زمن المصلحة

​المفارقة المحزنة هي أن هذا الحياء غالباً ما يُفهم خطأً على أنه ضعف أو تنازل. في المقابل، ظهرت فئة من الناس جعلت من “المصلحة” ديناً لها، لا يترددون في أكل حقوق الآخرين وتعبهم بدم بارد. هؤلاء لا يرون في صمت “عفيفة النفس” إلا فرصة سانحة للاستمرار في التجاوز، غافلين عن أن هذا الصمت ليس عجزاً، بل هو تعفف عن الانحدار إلى مستنقعات الجدال الدنيء.

​لغز الضمير الغائب: كيف ينام الظالمون؟

​يبقى السؤال الذي يؤرق كل صاحب حق سُلب منه تعبه: كيف تمر الأيام عادية على أولئك الذين أكلوا شقاء غيرهم؟ وكيف يغمض لهم جفن والظلم يحيط بهم من كل جانب؟

​الإجابة تكمن في “تآكل الضمير”؛ فمن اعتاد استباحة الصغير، هان عليه الكبير. هؤلاء الأشخاص يبنون حول أنفسهم جدران من التبريرات الواهية، فيقنعون أنفسهم بأن ما فعلوه هو “ذكاء” أو “شطارة”، حتى تموت في قلوبهم القدرة على الشعور بالألم الذي يسببونه لغيرهم. إنهم لا ينامون لأنهم أبرياء، بل لأنهم فقدوا بوصلة الإنسانية التي تنبههم لخطاياهم.

كلمة لـ “ابن الأصول

​إن عزة نفسك التي تمنعك من المطالبة بحقك بابتذال هي وسام على صدرك، لكنها لا تعني أبداً الاستسلام. هناك فرق دقيق بين التعفف عن الصغائر وبين التفريط في الحقوق. المطالبة بالحق بوعي وهدوء هي جزء من عزة النفس أيضاً، حتى لا يظن الظالم أن الدنيا خلت من الحساب.

​قد يربح الظالم جولة بمالٍ حرام أو جهد مسروق، لكنه يخسر نفسه وأمانه الداخلي للأبد. أما “ابن الأصول”، فرغم مرارة الشعور بالظلم، يبقى مرفوع الرأس، ينام بضمير مستقر، مدركاً أن الحقوق لا تضيع عند الله، وأن الرقي الذي يمنعه من التدني هو نفسه الذي سيحفظ كرامته في نهاية المطاف.

بوابة مصر الحدث الالكترونية

اترك تعليقاً