ترام الإسكندرية: شريان الهوية وذاكرة المدينة التي لا تغيب
يعد ترام الإسكندرية، الذي تأسس عام 1863، أقدم وسيلة نقل جماعي في مصر وأفريقيا، فهو ليس مجرد حديد وعجلات، بل هو أثر متحرك يجوب المحافظة من شرقها إلى غربها، ومعلم سياحي يمنح المدينة بصمتها التاريخية الفريدة.
البعد الاقتصادي والاجتماعي:
للترام آثار ملموسة على الأسر السكندرية؛ إذ يمثل الملاذ الآمن والموفر في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. فبينما تتكلف الأسرة المكونة من أربعة أفراد حوالي 4 جنيهات فقط في رحلة الترام، قد تصل التكلفة ذاتها إلى 20 جنيهاً أو أكثر باستخدام “المشروع” (الميكروباص) أو التاكسي لنفس المسافة. إنه “قطار الغلابة” ورفيق الطبقة المتوسطة، يغزل نسيجاً اجتماعياً يجمع بين الطالب والموظف والسائح في عربة واحدة.
الأمن القومي والهوية:
يجب أن ندرك أن مفهوم الأمن القومي لا يقتصر فقط على حماية الحدود والمعلومات، بل يمتد ليشمل الحفاظ على الآثار، العمارة، الفلل، النوادي، المساجد، الكنائس، وحتى القبور القديمة. إن الحفاظ على تراثنا هو “أمن قومي سياحي وثقافي” بامتياز؛ فهو الذي يحفظ للشخصية المصرية ملامحها، ويمنع ذوبان الهوية الوطنية في قوالب الحداثة الصماء. نحن لا نريد تكرار تجربة “مترو مصر الجديدة” الذي أُنشئ عام 1910 وفقدناه في 2015، مخلفاً وراءه فراغاً تاريخياً لا يُعوض.
إن الترام في الإسكندرية ليس مجرد وسيلة تنقلنا من محطة إلى أخرى، بل هو آلة زمن تنقلنا عبر ذكرياتنا الجميلة. في طنين عجلاته وصوت جرسه “التن تن” تكمن حكايات أجدادنا، وضحكات شبابنا، وأحلام أطفالنا. هو الشاهد الصامت على عظمة هذه المدينة، والرفيق الذي لم يملّ يوماً من احتضان المصريين وتاريخهم. إن الحفاظ على الترام هو عهدُ وفاءٍ للإسكندرية، وصونٌ لذاكرة وطن لا يفرط في تفاصيله الرقيقة، فمصر التي تسكننا بآثارها ومبانيها هي الروح التي نحيا بها، وبقاؤها شامخة بتراثها هو أسمى آيات الانتماء.
حفظ الله مصر.
دكتور محمد محفوظ عمران

